ليس أخطر ما تكشفه التقارير المتعلقة باستخدام السلاح الكيميائي في السودان هو فداحة المأساة الإنسانية وحدها، وإنما الأسئلة التي تطرحها حول طبيعة دولة ما بعد الاستعمار، وبنية مؤسساتها العسكرية والأمنية، وحدود مشروعيتها في احتكار القوة واستخدامها ضد شعوب السودان.

إن التركيز على الجانب العاطفي للقضية، رغم أهميته، قد يحجب مدخلها البنيوي: هل استخدام السلاح المحرّم دولياً انحراف عارض وقع في ظرف استثنائي، أم أنه أقصى تعبير عن نمط تاريخي من عنف المركز ومؤسساته؟

منذ تمرد توريت في أغسطس 1955، قبل إعلان الاستقلال، ظل السودان يعيش سلسلة متصلة من الحروب في جنوب السودان وجبال النوبة والنيل الأزرق ودارفور وشرق السودان وغيرها. وليس صحيحاً، تاريخياً أو سياسياً، اختزالها في مواجهة بين دولة شرعية وجماعات «متمردة» على القانون.

فإذا افترضنا، جدلاً، أنها كانت مجرد تمردات متكررة على الدولة، فإن السؤال الذي لا يمكن تجنبه هو: لماذا استمر هذا التمرد لأكثر من سبعين عاماً؟ ولماذا ظلت قطاعات واسعة من شعوب السودان ترفض سياسات المركز وتنازع مؤسساته شرعية احتكار القوة؟

إن تواتر الحروب واتساعها عبر أنظمة مختلفة يكشفان أزمة تأسيس لم تُحل منذ الاستقلال: دولة لم تُبنَ على عقد اجتماعي حر، ولم تعبّر مؤسساتها عن التعدد التاريخي والثقافي والاجتماعي، ولم تحقق المواطنة المتساوية أو التوزيع العادل للسلطة والثروة.

ولم تبدأ الاتهامات باستخدام الأسلحة الكيميائية مع حرب 15 أبريل 2023. فقد ارتبطت مراحل من الحروب في جنوب السودان وجبال النوبة ودارفور بشهادات وتقارير خطيرة حول استخدام مواد محرمة. وفي عام 2016 وثقت منظمة العفو الدولية أدلة قالت إنها تشير بقوة إلى استخدام محتمل ومتكرر لأسلحة كيميائية ضد المدنيين في جبل مرة، بينما ظلت الحاجة قائمة إلى تحقيق دولي ميداني مستقل.

وفي الحرب الراهنة انتقلت القضية إلى مستوى دولي جديد. فقد أعلنت الولايات المتحدة في أبريل 2025 توصلها إلى استخدام أسلحة كيميائية في السودان خلال عام 2024، وفرضت تدابير وعقوبات على خلفية ذلك. كما تعزز الوثائق والصور والتسجيلات المنشورة حديثاً المخاوف من نشاط منظم شمل الحصول على المواد الكيميائية وتطوير وسائل تعبئتها وتخزينها ونقلها واستخدامها بواسطة جيش الحركة الإسلامية الواقع تحت قيادة عبد الفتاح البرهان.

هذه الوقائع لا يجوز أن تبقى موضوعاً للمزايدة السياسية. إنها تستوجب تحقيقاً دولياً مستقلاً يصل إلى المواقع والوثائق وسلاسل القيادة، ويحدد المسؤولية الجنائية عن التخطيط وإصدار الأوامر والتنفيذ والإخفاء.

ومن الضروري التمييز بين وجود السودان دولة ذات سيادة وأرض وشعب، وبين شرعية سلطة البرهان في بورتسودان. فالسودان لم يفقد وجوده أو وحدته بسبب تعدد السلطات الناتج عن الحرب، لكن سلطة البرهان فقدت أساسها الدستوري منذ انقلاب 25 أكتوبر 2021، ثم جاءت حرب 15 أبريل 2023 لتقود إلى انهيار دستوري ومؤسسي شامل. ومن ثم لم يعد ممكناً ادعاء وجود حكومة قومية شرعية أو تمثيل حصري للسودان انطلاقاً من السيطرة على بعض مؤسسات الدولة واستخدام اسمها ورموزها.

كما أن القوة العسكرية التي يقودها البرهان ليست، في تكوينها وعقيدتها وسلوكها، جيشاً قومياً يمثل الدولة بكل شعوبها. إنها جيش الحركة الإسلامية التي أعادت تشكيل بنيته وقياداته منذ انقلاب 1989 وربطته بمشروعها الأيديولوجي وشبكاتها الأمنية والاقتصادية. ولذلك فإن مساءلته عن استخدام الأسلحة المحرمة ليست اتهاماً للسودان أو لشعبه، وإنما مساءلة لقيادة ومنظومة محددتين.

وإذا كان انقلاب 25 أكتوبر وحرب 15 أبريل قد أنهيا شرعية سلطة البرهان، فإن أزمة مشروعية دولة ما بعد الاستعمار أقدم وأعمق. فهذه الدولة ورثت المؤسسات الإدارية والعسكرية الاستعمارية، لكنها لم تستكمل تأسيسها بعقد اجتماعي يحدد طبيعتها ونظام الحكم فيها وعلاقة المركز بالأقاليم وأسس توزيع السلطة والثروة. لقد طالبت شعوب البلاد بالخضوع قبل أن تؤسس معها شروط الانتماء المتساوي، واستخدم المركز مؤسساته ضد المجتمعات التي اعترضت على التهميش والإقصاء.

إن الدولة الحديثة تحتكر الاستخدام المشروع للقوة، لا مجرد امتلاك السلاح. ولا تصبح القوة مشروعة لأنها صادرة عن مؤسسة تحمل اسم الدولة، بل عندما تستند إلى دستور متوافق عليه، وتخضع لسلطة مدنية ومساءلة قضائية، وتُستخدم لحماية المواطنين لا لإخضاعهم.

وقد بلغ اختلال هذه المعادلة مداه بعد استيلاء الحركة الإسلامية على السلطة عام 1989، حين أعادت تشكيل المؤسسات العسكرية والأمنية على أساس الولاء الأيديولوجي، وأنشأت منظومة للتصنيع الحربي وشبكات مالية وأمنية عابرة للحدود. ولم يكن استيراد السلاح وإنتاجه وتصديره وتهريبه في عهدي البشير والبرهان نشاطاً عسكرياً تقليدياً، بل تطور داخل بيئة تداخلت فيها مؤسسات السلطة مع تنظيمات وأموال وعلاقات ارتبطت بالإرهاب الدولي.

فقد استضاف نظام الحركة الإسلامية أسامة بن لادن بين عامي 1991 و1996، ومكّنه من إقامة استثمارات وشركات وشبكات مالية وتجارية ارتبطت لاحقاً بالبنية المالية والتنظيمية لتنظيم القاعدة. كما أقام النظام تعاوناً عسكرياً وأمنياً مع إيران شمل التسليح والتدريب والتصنيع. وقد تجدد هذا التعاون في ظل حرب 15 أبريل، مع ورود تقارير موثوقة عن حصول جيش الحركة الإسلامية بقيادة البرهان على أسلحة وطائرات مسيّرة إيرانية.

لذلك لا يمكن التحقيق في استخدام السلاح الكيميائي بمعزل عن منظومة التصنيع الحربي ومسارات استيراد المواد والمعدات وشبكات التمويل والنقل والتهريب. ويجب أن تتجاوز المساءلة المنفذ المباشر إلى كل من موّل أو طوّر أو نقل أو سهّل أو أخفى، باعتبار هذه المنظومة تهديداً للسودانيين وللأمن الإقليمي والدولي.

لقد أدى الإفلات المتكرر من العقاب إلى استمرار الجرائم وتصاعدها. فالقيادة التي ترى أن القصف والتهجير واستهداف المدنيين يمكن أن تمر بلا محاسبة ستنتقل إلى مستويات أشد خطورة. والسلاح الكيميائي ليس بداية الانهيار الأخلاقي لمؤسسات السلطة، بل إحدى نتائجه القصوى.

إن رفض شرعية سلطة البرهان لا يعني رفض وجود السودان دولة موحدة، كما أن البديل عن دولة ما بعد الاستعمار ليس تفكيك البلاد. على العكس، فإن الحفاظ على الوحدة يتطلب تأسيسها على إرادة شعوب السودان، وعقد اجتماعي جديد يقيم دولة مدنية ديمقراطية علمانية، تحقق المواطنة المتساوية، وتحمي حرية الضمير والتعدد، وتضمن المشاركة العادلة في السلطة والثروة.

كما أن بناء جيش قومي لا يتحقق بإطلاق الاسم عليه أو بإعادة إنتاج بنيته القديمة، بل بتأسيس مؤسسة عسكرية وطنية جديدة، تنشأ بإرادة السودانيين، وتخضع للدستور والسلطة المدنية، وتقوم عقيدتها على حماية الشعب والسيادة والنظام الدستوري. فاحتكار الدولة للقوة لا يصنع الشرعية ولا يسبقها، وإنما يكون نتيجة لها.

ينبغي تحويل مأساة السلاح الكيميائي إلى مسار شامل للمساءلة يطال مرتكبي الجرائم وسلاسل القيادة والشبكات الداعمة لهم، ويمهّد لعقد اجتماعي جديد يقوم على العدالة والمواطنة المتساوية والمشاركة. فلا سلام مستداماً أو وحدة حقيقية من دون تفكيك الإفلات من العقاب، وإخضاع القوات المسلحة للسلطة المدنية والدستور، وبناء دولة مدنية ديمقراطية علمانية تحمي حرية الضمير والتعدد، وتضع مؤسساتها وسلاحها في خدمة الشعب لا في إخضاعه.

محمد حسن عثمان التعايشي
رئيس مجلس الوزراء – حكومة السلام