محمد حسن عثمان التعايشي

رئيس مجلس الوزراء – حكومة السلام

ليس أخطر ما تكشفه التقارير المتعلقة باستخدام السلاح الكيميائي في السودان هو حجم المأساة الإنسانية وحده، على فداحتها، وإنما ما تطرحه من أسئلة أعمق حول طبيعة دولة ما بعد الاستعمار، وبنية مؤسساتها العسكرية والأمنية، والأساس الذي قامت عليه سلطتها في استخدام القوة ضد شعوب السودان.

لقد انصرف جانب كبير من النقاش العام إلى الأثر العاطفي والأخلاقي لهذه الوقائع. غير أن اختزال القضية في صور الضحايا، أو في إدانة واقعة بعينها، قد يحجب جوهرها البنيوي: هل يمثل استخدام السلاح المحرّم دولياً انحرافاً عارضاً وقع في ظرف استثنائي، أم أنه أقصى تعبير عن نمط تاريخي من عنف المركز ومؤسساته ضد المجتمعات السودانية؟

هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يكون في قلب النقاش السوداني والدولي.

منذ اندلاع تمرد توريت في أغسطس 1955، قبل إعلان استقلال السودان، ظلت البلاد تعيش سلسلة متصلة من الحروب: في جنوب السودان، وجبال النوبة، والنيل الأزرق، ودارفور، وشرق السودان، ثم في مناطق أخرى من البلاد. وليس صحيحاً، تاريخياً أو سياسياً، اختزال هذه الحروب في مواجهة بين دولة شرعية وجماعات «متمردة» على القانون.

فإذا افترضنا، جدلاً، أن ما شهده السودان طوال أكثر من سبعين عاماً كان مجرد تمرد متكرر على الدولة، فإن السؤال الذي لا يمكن تجنبه هو: لماذا ظل التمرد يتجدد بهذه الاستمرارية والاتساع؟ ولماذا ظلت قطاعات واسعة من شعوب السودان ترفض سياسات المركز، وتختلف معه حول توزيع السلطة والثروة، وطبيعة الدولة، وحدود شرعية مؤسساتها في احتكار القوة؟

إن التفسير الذي يحمّل الأطراف التي حملت السلاح وحدها مسؤولية النزاع يعجز عن تفسير تواتر الحروب، واتساع جغرافيتها، واستمرارها عبر أنظمة سياسية مختلفة. أما التفسير الأكثر اتساقاً مع وقائع التاريخ، فيرى هذه الحروب تعبيراً عن أزمة تأسيس لم تُحل منذ الاستقلال: أزمة دولة لم تُبنَ على عقد اجتماعي حر ومتوافق عليه، ولم تعبّر مؤسساتها عن التعدد التاريخي والثقافي والاجتماعي لشعوب السودان، ولم تحقق المواطنة المتساوية أو التوزيع العادل للسلطة والثروة.

لم تبدأ الاتهامات باستخدام الأسلحة الكيميائية في السودان مع حرب 15 أبريل 2023. فقد ارتبطت مراحل مختلفة من الحروب في جنوب السودان وجبال النوبة ودارفور بشهادات وتقارير وادعاءات خطيرة حول استخدام مواد وأسلحة محرمة. وفي عام 2016، وثّقت منظمة العفو الدولية أدلة وشهادات قالت إنها تشير بقوة إلى استخدام محتمل ومتكرر لأسلحة كيميائية ضد المدنيين في جبل مرة. وأعلنت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية آنذاك أنها تدرس التقرير والمعلومات المتاحة، بينما ظلت الحاجة قائمة إلى تحقيق ميداني دولي مستقل وكامل.

أما في الحرب الراهنة، فقد انتقلت القضية إلى مستوى دولي جديد. ففي أبريل 2025 أعلنت الولايات المتحدة توصلها، بعد مراجعة المعلومات المتاحة لديها، إلى أن أسلحة كيميائية استُخدمت في السودان خلال عام 2024، ثم فرضت تدابير وعقوبات على خلفية ذلك. كما أثيرت داخل المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية مطالب بالتحقيق والمساءلة بشأن هذه الوقائع.

وتعزز التقارير والوثائق والصور والتسجيلات المنشورة حديثاً المخاوف من أن الأمر لم يكن تصرفاً ميدانياً منفرداً، وإنما نشاطاً منظماً شمل الحصول على المواد الكيميائية وتطوير وسائل تعبئتها وتخزينها ونقلها، ثم استخدامها في العمليات العسكرية بواسطة جيش الحركة الإسلامية الواقع تحت قيادة عبد الفتاح البرهان.

هذه الوقائع والاتهامات لا يجوز أن تبقى موضوعاً للمزايدة السياسية أو الحرب الإعلامية. إنها تستوجب تحقيقاً دولياً مستقلاً يتمتع بصلاحية الوصول إلى المواقع والوثائق وسلاسل القيادة، وجمع العينات، والاستماع إلى الضحايا والشهود، وتحديد المسؤولية الجنائية الفردية عن التخطيط وإصدار الأوامر والتنفيذ ومحاولات الإخفاء.

لكن واجب التحقيق القانوني لا يمنعنا من رؤية السياق السياسي الأوسع. فاستخدام السلاح الكيميائي، إن ثبت في أي واقعة، ليس مجرد مخالفة لاتفاقية دولية؛ إنه أقصى تعبير عن انهيار الحدود الأخلاقية والقانونية التي ينبغي أن تضبط علاقة السلطة بالمواطنين.

ومن الضروري، في هذا السياق، التمييز بين وجود السودان دولةً ذات سيادة وأرضاً وشعباً، وبين شرعية السلطة التي يسيطر عليها عبد الفتاح البرهان في بورتسودان. فالسودان لم يفقد وجوده القانوني أو وحدته الجغرافية والسياسية بسبب تعدد السلطات الناتج عن الحرب، لكن مؤسسات الحكم التي يدّعي البرهان تمثيلها فقدت أساسها الدستوري والشرعي.

لقد انتفت شرعية سلطة البرهان ابتداءً بانقلاب 25 أكتوبر 2021، الذي أطاح النظام الدستوري الانتقالي وقوّض الشراكة السياسية التي نشأت بعد ثورة ديسمبر. ثم جاءت حرب 15 أبريل 2023 لتقود إلى انهيار دستوري ومؤسسي شامل، لم يعد بعده ممكناً الادعاء باستمرار سلطة دستورية أو حكومة قومية ذات تفويض شرعي.

وعليه، فإن استخدام بعض الأطراف الدولية لتعبيرات من قبيل «الحكومة السودانية» أو «الجيش السوداني» عند الإشارة إلى سلطة بورتسودان والقوة العسكرية التابعة لها لا يغيّر من حقيقة افتقارهما إلى الشرعية الدستورية والسياسية. فالتعامل الدولي بحكم الأمر الواقع لا ينشئ شرعية مفقودة، والسيطرة على بعض مؤسسات الدولة أو استخدام اسمها ورموزها لا يمنح أي سلطة حق تمثيل السودان وشعبه تمثيلاً حصرياً.

إن القوة العسكرية التي يقودها البرهان ليست، في واقع تكوينها وعقيدتها وسلوكها، جيشاً قومياً يعبر عن الدولة السودانية بكل شعوبها. إنها جيش الحركة الإسلامية السودانية، الذي أعادت تلك الحركة تشكيل بنيته وعقيدته وقياداته منذ انقلاب عام 1989، وربطته بمشروعها الأيديولوجي وشبكاتها الأمنية والاقتصادية.

ومن ثم، فإن مساءلة هذه القوة عن استخدام الأسلحة المحرمة لا تعني توجيه الاتهام إلى السودان دولةً أو إلى الشعب السوداني، وإنما تعني مساءلة قيادة عسكرية وسياسية محددة، ومنظومة أيديولوجية استولت على مؤسسات الدولة وسخّرتها لخدمة مشروعها وحروبها.

وإذا كان انقلاب 25 أكتوبر وحرب 15 أبريل قد أنهيا شرعية سلطة البرهان، فإن أزمة الدولة السودانية أقدم وأعمق من السلطة القائمة في بورتسودان. وهنا ينبغي التمييز بين شرعية السلطة ومشروعية الدولة.

شرعية السلطة تتصل بالمصدر الدستوري والسياسي الذي يمنح الحكام حق ممارسة السلطة، وهذه الشرعية انتفت عن سلطة البرهان بالانقلاب، ثم بالانهيار الدستوري والمؤسسي الذي أحدثته الحرب. أما مشروعية دولة ما بعد الاستعمار فتتصل بالأساس التاريخي والسياسي الذي قامت عليه الدولة نفسها، وبمدى تعبيرها عن إرادة السودانيين وتعددهم ومصالحهم المشتركة.

لقد ظلت هذه المشروعية ناقصة ومشروطة منذ الاستقلال؛ لأن الدولة ورثت مؤسسات وحدوداً إدارية وعسكرية صممتها السلطة الاستعمارية، لكنها لم تستكمل عملية تأسيسها عبر عقد اجتماعي حر يجمع السودانيين، ويحدد طبيعة الدولة ونظام الحكم وعلاقة المركز بالأقاليم وأسس توزيع السلطة والثروة.

لم تكن المشكلة أن السودان لم توجد فيه سلطة مركزية، بل أن هذه السلطة ظلت تطالب شعوب البلاد بالخضوع قبل أن تؤسس معهم شروط الانتماء المتساوي إلى الدولة. وقد احتكر المركز تعريف الهوية الوطنية، والسيطرة على الموارد، وتكوين المؤسسات العسكرية والمدنية، ثم استخدم هذه المؤسسات في مواجهة المجتمعات التي اعترضت على التهميش والإقصاء.

وبهذا المعنى، فإن الحروب التي شهدها السودان لم تكن خروجاً عارضاً على نظام مستقر ومشروع، وإنما كانت، في جانب جوهري منها، اعتراضاً متواصلاً على دولة لم يكتمل تأسيسها، وعلى مركز سعى إلى فرض تصور أحادي للسودان بالقوة.

إن الدولة الحديثة تقوم على احتكار الاستخدام المشروع للقوة، لا على مجرد امتلاك السلاح. وكلمة )المشروع( هنا هي الأساس؛ فالقوة لا تصبح مشروعة لمجرد صدورها عن مؤسسة تحمل اسم الدولة، وإنما تكون كذلك عندما تستند إلى عقد اجتماعي ودستور متوافق عليه، وتخضع لسلطة مدنية ومساءلة قضائية، وتُستخدم لحماية المواطنين والنظام الدستوري، لا لإخضاع الشعوب أو معاقبتها جماعياً.

وحين تستخدم مؤسسة عسكرية الطيران والقصف والأسلحة المحرمة ضد مجتمعات تخوض صراعاً حول المواطنة والعدالة والمشاركة في السلطة والثروة، فإنها لا تدافع عن الدولة، بل تكشف عجزها عن إنتاج الشرعية بغير العنف.

وقد بلغ هذا الاختلال مرحلة أكثر خطورة بعد استيلاء الحركة الإسلامية على السلطة عام 1989. فقد أُعيد تشكيل المؤسسة العسكرية والأمنية على أساس الولاء الأيديولوجي، وأُقصيت منها قطاعات واسعة، وأُنشئت إلى جانبها قوات وتنظيمات موازية، كما تطورت منظومة للتصنيع الحربي وشبكات مالية وأمنية عابرة للحدود. ولم يعد العنف أداة استثنائية، وإنما أصبح وسيلة مركزية لإدارة الاختلاف السياسي والاجتماعي.

ولم تكن منظومة التصنيع الحربي، وما ارتبط بها من استيراد السلاح وإنتاجه وتصديره وتهريبه في عهدي البشير والبرهان، نشاطاً عسكرياً تقليدياً منفصلاً عن المحيط الأيديولوجي والأمني للنظام، بل نشأت وتطورت داخل شبكة عابرة للحدود تداخلت فيها مؤسسات السلطة مع تنظيمات وأموال وعلاقات ارتبطت بالإرهاب الدولي. فقد استضاف نظام الحركة الإسلامية أسامة بن لادن بين عامي 1991 و1996، ومكّنه من إقامة استثمارات وشركات وشبكات مالية وتجارية ارتبطت لاحقاً بالبنية المالية والتنظيمية لتنظيم القاعدة. كما أقام النظام تعاوناً عسكرياً وأمنياً وثيقاً مع إيران شمل مجالات التسليح والتدريب والتصنيع.

لقد ورث البرهان هذه المنظومة وكان جزءاً منها، ثم أصبحت تحت قيادته بعد سقوط نظام البشير. ولم يعمل على تفكيكها أو تحويلها إلى مؤسسة قومية خاضعة لسلطة مدنية، بل شارك في انقلاب 25 أكتوبر، وأسهم في تقويض الانتقال المدني، ثم أعاد تمكين عناصر الحركة الإسلامية وشبكاتها داخل أجهزة السلطة والقوة العسكرية.

وتجدد التعاون العسكري مع إيران في ظل حرب 15 أبريل، مع ورود تقارير موثوقة عن حصول جيش الحركة الإسلامية بقيادة البرهان على طائرات مسيّرة وأسلحة إيرانية. ويؤكد هذا التطور أن الشبكات العسكرية والأمنية العابرة للحدود لم تكن مجرد صفحة من عهد البشير، بل بنية استمرت وتكيّفت مع الظروف الجديدة.

ومن هنا لا يمكن التحقيق في استخدام السلاح الكيميائي بمعزل عن منظومة التصنيع الحربي، ومسارات استيراد المواد والمعدات، وشبكات التمويل والنقل والتهريب، والجهات المحلية والخارجية التي قدمت الخبرة أو المال أو الغطاء السياسي. فالمساءلة الجادة يجب أن تتجاوز المنفذ المباشر إلى كل من موّل أو طوّر أو نقل أو سهّل أو أخفى، وأن تتعامل مع هذه المنظومة باعتبارها تهديداً للسودانيين وللأمن الإقليمي والدولي معاً.

لذلك لا يمكن اعتبار جيش البرهان استمراراً قانونياً أو سياسياً لجيش قومي رسمي يمثل الدولة السودانية، كما لا يمكن منح سلطته شرعية بأثر رجعي تحت ذريعة الحرب. فهو أحد أطراف الصراع على السلطة، وتحكمه قيادة فاقدة للشرعية، ويستند إلى بنية عسكرية وأمنية تشكلت تاريخياً لخدمة مركز سياسي وأيديولوجي، لا لحماية عقد دستوري بين السودانيين.

وما كان لهذه الانتهاكات أن تتكرر لو واجه مرتكبو الجرائم السابقة عدالة حقيقية. فقد ظل الإفلات من العقاب أحد أكثر السمات رسوخاً في تاريخ السلطة المركزية في السودان: تتغير الحكومات، لكن الضحايا يُطالبون بالنسيان؛ تنتهي العمليات العسكرية، لكن المسؤولين عنها ينتقلون إلى مواقع أخرى؛ وتُشكّل لجان التحقيق، ثم تختفي تقاريرها أو تُعطّل توصياتها.

وهكذا تحول الإفلات من العقاب من نتيجة للجريمة إلى سبب مباشر لتكرارها. فالقيادة التي ترى أن القصف والتهجير واستهداف المدنيين يمكن أن تمر بلا محاسبة ستنتقل في المرة التالية إلى مستوى أشد خطورة. والسلاح الكيميائي، في هذا المعنى، ليس بداية الانهيار الأخلاقي لمؤسسات السلطة، بل إحدى نتائجه القصوى.

لذلك لا ينبغي أن يفلت المسؤولون عن استخدام الأسلحة المحرمة من العدالة. وهذه ليست مسؤولية السودانيين وحدهم، وإنما مسؤولية المجتمع الدولي، ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، والأمم المتحدة، والمحاكم والآليات القضائية الدولية. إن حظر السلاح الكيميائي قاعدة لا تحتمل الانتقائية، ولا يجوز أن تتوقف فاعليتها عند حدود المصالح والتحالفات السياسية.

لكن المساءلة الدولية، على ضرورتها، لا تكفي وحدها. فالعدالة التي تحاسب الأفراد يجب أن يصاحبها تغيير جذري يعالج المؤسسات والبنى السياسية التي أتاحت وقوع الجريمة.

إن البديل عن دولة ما بعد الاستعمار ليس تفكيك السودان، كما أن رفض شرعية سلطة البرهان لا يعني رفض وجود السودان دولة موحدة ذات سيادة. على العكس، فإن الحفاظ على وحدة السودان يتطلب الاعتراف بأن هذه الوحدة لا يمكن فرضها بالعنف، ولا يمكن حمايتها بمؤسسات فقدت شرعيتها وتحولت إلى أدوات في يد مشروع أيديولوجي.

إن وحدة السودان يجب أن تقوم على إرادة شعوبه الحرة، وعلى عقد اجتماعي جديد يؤسس دولة مدنية ديمقراطية علمانية، تقف على مسافة واحدة من الأديان والمعتقدات، وتحمي حرية الضمير والعبادة، وتمنع توظيف الدين في احتكار السلطة أو التمييز بين المواطنين. دولة تحقق المواطنة المتساوية، وتعترف بالتعدد، وتقيم نظام حكم لا مركزياً حقيقياً، وتضمن المشاركة العادلة في السلطة والثروة، وتعالج جذور الحروب التاريخية.

كما أن تأسيس جيش قومي لا يتحقق بمجرد إطلاق الاسم عليه أو دمج القوات داخل بنيته القديمة. فلا بد من تأسيس مؤسسة عسكرية وطنية جديدة، تنشأ بإرادة السودانيين ووفقاً لعقدهم الاجتماعي، وتخضع للدستور والسلطة المدنية، وتقوم عقيدتها على حماية الشعب والسيادة والنظام الدستوري، لا على حماية مركز سياسي أو طبقة حاكمة أو أيديولوجيا دينية أو سياسية بعينها.

إن احتكار الدولة للقوة لا يسبق الشرعية ولا يصنعها، وإنما يأتي نتيجة لها. ولا تستطيع أي دولة مطالبة المجتمعات بتسليم سلاحها والخضوع لمؤسساتها قبل أن تضمن لها الأمن والمساواة والعدالة والمشاركة المتكافئة. كما لا يمكن بناء جيش قومي من دون إعادة تعريف وظيفته وعقيدته وبنيته وعلاقته بالسلطة والمجتمع.

ومن هنا تصبح عملية التأسيس شرطاً لتحقيق السلام الشامل والمستدام، لا مجرد مشروع سياسي مؤجل إلى ما بعد توقف الحرب. فالحرب نفسها نتيجة لغياب التأسيس، وأي تسوية تعيد إنتاج الدولة القديمة ومؤسساتها وعلاقات القوة داخلها لن تكون سوى هدنة تسبق حرباً جديدة.

السودان لا يحتاج إلى إعادة ترميم دولة ما بعد الاستعمار كما كانت، بل إلى تأسيس دولة مدنية ديمقراطية علمانية جديدة على أرض السودان الموحدة، وبإرادة شعوبه، ومن خلال عقد اجتماعي يجيب عن أسئلة المواطنة والهوية والسلطة والثروة والعدالة وعلاقة المركز بالأقاليم.نريد دولة يكون القانون فيها أعلى من السلاح، وتكون القوات المسلحة فيها مؤسسة مهنية واحدة خاضعة للدستور والسلطة المدنية، وتكون الجرائم التي ترتكب باسم السلطة سبباً للمحاسبة لا ذريعة لمنح الحصانة. دولة تحمي تعدد السودانيين، ولا تحوّل اختلافاتهم الدينية والثقافية والإثنية إلى مبرر للتمييز أو الحرب عليهم.

إن التقارير المتعلقة باستخدام السلاح الكيميائي يجب أن توقظ ضمير العالم، لكنها يجب أيضاً أن توقظ وعينا نحن السودانيين. فالقضية ليست فقط: من استخدم هذا السلاح، وأين، ومتى؟ بل أيضاً: أي بنية سياسية وعسكرية جعلت استخدامه ممكناً؟ وأي مؤسسات أنتجت قادة يعتقدون أن بوسعهم استخدام كل ما يمتلكون من قوة ضد شعوب بلادهم ثم الإفلات من العقاب؟

لن تتوقف دورة الحرب بمجرد إسكات البنادق مؤقتاً، ولن تُحفظ وحدة السودان بالإنكار أو بالقوة القاهرة. إنما تُحفظ الوحدة ببناء دولة يشعر كل سوداني أنها دولته، ويثق بأن سلاحها يحميه ولا يستهدفه، وبأن مؤسساتها تستمد شرعيتها منه، لا من قدرتها على إخضاعه.

ينبغي تحويل مأساة السلاح الكيميائي إلى مسار شامل للمساءلة يطال مرتكبي الجرائم وسلاسل القيادة والشبكات الداعمة لهم، ويمهّد لعقد اجتماعي جديد يقوم على العدالة والمواطنة المتساوية والمشاركة. فلا سلام مستداماً أو وحدة حقيقية من دون تفكيك الإفلات من العقاب، وإخضاع القوات المسلحة للسلطة المدنية والدستور، وبناء دولة مدنية ديمقراطية علمانية تحمي حرية الضمير والتعدد، وتضع مؤسساتها وسلاحها في خدمة الشعب لا في إخضاعه.

محمد حسن عثمان التعايشي

رئيس مجلس الوزراء – حكومة السلام