يشهد القرن الإفريقي فصلاً جديداً من فصول التوتر الجيوسياسي، حيث تتداخل خطوط النزاعات الداخلية مع الحسابات الإقليمية في مشهد معقد. وتبرز ولاية القضارف السودانية، المتاخمة للحدود الإثيوبية، كإحدى أهم الساحات التي تُدار فيها الحرب غير المعلنة بين الخرطوم وأديس أبابا، وفي قلب هذا المشهد، تتصاعد الاتهامات والتقارير حول قيام الجيش السوداني، بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، بتقديم الدعم العسكري وتدريب ميليشيات وعناصر من إقليم تيغراي الإثيوبي، في خطوة تحمل تداعيات عميقة على استقرار إثيوبيا والمنطقة بأسرها.

القضارف: من منطقة عبور إلى قاعدة انطلاق
شكلت منطقة الفشقة وولاية القضارف بؤرة توتر بين السودان وإثيوبيا، في العديد من المحطات التاريخية، لكن النزاع اتخذ طابعاً جديداً مع اندلاع الحرب الداخلية في السودان، ففي شهر ماي 2026، وجهت إثيوبيا اتهامات رسمية للجيش السوداني بتسليح وتمويل من وصفتهم بـ “مرتزقة تيغراي”، في إشارة إلى مقاتلي الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، والتي خاضت حرباً طاحنة ضد الجيش الفيدرالي الإثيوبي بين عامي 2020 و2022.
وتشير التقارير إلى أن الجيش السوداني يسعى للاستفادة من الخبرة القتالية العالية لعناصر التيغراي من خلال استيعابهم وتدريبهم في معسكرات بولاية القضارف، بهدف مزدوج: الأول هو الاستعانة بهم في العمليات العسكرية الجارية داخل السودان، والثاني هو استخدامهم كورقة ضغط استراتيجية ضد حكومة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد

الغطاء السياسي: تحريك رماد النزاع
لم يقتصر التحرك السوداني على الجانب العسكري الاستخباراتي فحسب، بل امتد إلى توفير منصات سياسية للمعارضة الإثيوبية، حيث استضافت مدينة بورتسودان (العاصمة الإدارية المؤقتة للحكومة السودانية) في جوان 2026 مؤتمراً لحركة “تسيمدو”، وهي أول جبهة موحدة علنية تضم أطرافاً إثيوبية معارضة، في خطوة وُصفت بأنها محاولة من الجيش السوداني لـ “تحريك رماد النزاع الإثيوبي” في تيغراي.
وتعكس هذه التحركات المتزامنة (التدريب العسكري في القضارف والدعم السياسي في بورتسودان)، تحولاً في العقيدة العسكرية للجيش السوداني نحو تبني استراتيجية الهجوم الاستباقي خارج الحدود لخلط أوراق الخصوم.

تداعيات كارثية على استقرار المنطقة
إن إعادة تسليح وتنظيم ميليشيات التيغراي على الحدود السودانية الإثيوبية تمثل وصفة خطيرة لزعزعة استقرار المنطقة، وتتجلى مخاطرها في مسارين:
1. تهديد الداخل الإثيوبي: يهدد هذا الدعم بنسف اتفاقية “بريتوريا” للسلام، وإعادة إشعال الحرب الأهلية في شمال إثيوبيا. ومع تحرك جبهة تحرير تيغراي مجدداً ضد أديس أبابا، تتزايد التوقعات باندلاع موجات عنف طائفي ونزوح جديدة في مناطق أمهرة وأوروميا وتيغراي.
2. عسكرة الحدود: تحويل ولاية القضارف إلى قاعدة لانطلاق العمليات العسكرية بالوكالة يخلق بيئة خصبة لانتشار السلاح والميليشيات العابرة للحدود، مما يهدد بتحويل شرق السودان وشمال إثيوبيا إلى بؤرة فوضى أمنية خارجة عن سيطرة الدولتين.

في ظل تقاطع الحسابات الاستراتيجية بين الخرطوم وأديس أبابا، تحولت مناطق مثل القضارف وتيغراي إلى بيادق في رقعة شطرنج إقليمية معقدة. وبينما تسعى القيادات العسكرية والسياسية في البلدين إلى حماية مصالحها عبر حرب الوكلاء، يبقى المدنيون على جانبي الحدود هم الثمن الأفدح لهذه المعادلة التي تُدار بالدم والنار.