بقلم : الباشا طبيق
وزير النفط والطاقة في حكومة السلام .
إن مشروع التغيير الجذري في السودان مشروع شامل لا يستثني مؤسسة من مؤسسات الدولة، ولا يعترف بوجود مؤسسات فوق النقد والمساءلة، ولا يؤمن بمؤسسات مقدسة أو خطوط حمراء تحول دون إعادة بناء الدولة على أسس جديدة. فالدولة السودانية الجديدة لا يمكن أن تُبنى بعقلية الماضي، ولا بإعادة إنتاج المؤسسات التي ساهمت في صناعة الأزمة وإطالة أمد الحروب والانقسامات.
إن مبادرات ودعوات الحوار السياسي المطروحة في السودان، سواء جاءت من الداخل أو الخارج، تظل في كثير من الأحيان مجرد محاولات لإدارة الأزمة لا لمعالجتها من جذورها، وتتحول إلى أدوات للعلاقات العامة وكسب الوقت، ما لم تلامس جوهر المشكلة السودانية وتضع الأسئلة التاريخية الكبرى على طاولة النقاش بشجاعة ووضوح.
ومن يعتقد أن هناك مساراً سياسياً سطحياً قادراً وحده على إنهاء الأزمة السودانية، دون معالجة جذورها التاريخية والتراكمية الممتدة منذ عام 1955 وحتى اليوم، فهو إما لا يدرك طبيعة الأزمة أو يتعمد تجاهل أسبابها الحقيقية. فالمشكلة السودانية لم تبدأ في 15 أبريل 2023، وإنما هي نتاج عقود طويلة من اختلال علاقة الدولة بالمجتمع، والحروب الداخلية، والتهميش السياسي والاقتصادي، واحتكار السلطة، واستخدام مؤسسات الدولة وأجهزتها في الصراع السياسي.
وفي هذا السياق، فإن تعاطي بعض الكتل والقوى السياسية مع الأزمة لا يزال أسيراً لمنطق الانتهازية السياسية والمساومات المرحلية، التي تسعى إلى فصل العملية السياسية عن معالجة جذور الأزمة، وتتعامل مع قضايا الدولة وكأنها مجرد صراع على المواقع والنفوذ، بدلاً من أن تكون معركة حقيقية لإعادة تأسيس الدولة السودانية.
ويظل الجيش المختطف، كما نراه في سياق الأزمة التاريخية، أحد الملفات الأساسية التي لا يمكن تجاوزها في أي مشروع وطني لإعادة بناء الدولة. ولذلك فإن أي مبادرة داخلية أو خارجية تتجاهل قضية بناء وتأسيس مؤسسات الدولة، وإعادة تعريف دور المؤسسة العسكرية، وإنهاء توظيفها في الصراع السياسي، ومعالجة جذور التهميش والحروب، لا يمكن أن تنتج سلاماً مستداماً، وإنما ستعيد إنتاج الأزمة في صورة جديدة.
إن الشعوب السودانية التي دفعت ثمناً باهظاً من الدماء والنزوح واللجوء والدمار، لم تعد مستعدة لقبول حلول مؤقتة أو تسويات فوقية تعيد تدوير الأزمة وتؤجل انفجارها إلى جولة جديدة من الحرب. وما حدث منذ 15 أبريل 2023 يمثل، في نظر قطاعات واسعة من شعوب الهامش، تحولاً مفصلياً في مسار الصراع السوداني، وأطلق مواجهة واسعة حول طبيعة الدولة ومستقبلها وشكل العلاقة بين المركز والهامش.
ولهذا فإن التضحيات الكبيرة التي قدمها السودانيون، ومئات الآلاف من الضحايا، وملايين النازحين واللاجئين، لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد أرقام في بيانات التفاوض، ولا أن تكون ثمناً لتسوية سياسية تعيد إنتاج نفس المنظومة التي صنعت الأزمة.
إن المعركة الحقيقية ليست معركة تغيير أشخاص، وإنما معركة تغيير منظومة كاملة. تغيير طريقة إدارة الدولة، وإعادة بناء مؤسساتها، وإقامة نظام سياسي يقوم على المواطنة المتساوية، والحرية، والعدالة، والمساءلة، والشفافية، والتوزيع العادل للسلطة والثروة، وإنهاء الامتيازات التاريخية التي جعلت من الدولة أداة في يد فئة أو مركز بعينه.
ومن هنا، فإن مشروع التغيير الجذري ليس مشروعاً لإقصاء مكوّن من مكونات السودان، وإنما مشروع لإنهاء الإقصاء نفسه؛ وليس مشروعاً لهدم الدولة، وإنما مشروع لإعادة تأسيسها على قواعد جديدة؛ وليس مشروعاً للانتقام من أحد، وإنما مشروع لإقامة دولة القانون التي لا أحد فيها فوق المساءلة، ولا مؤسسة فيها فوق الدستور، ولا مواطن فيها أقل من مواطن.
إن السودان الذي نطمح إليه لا يحتاج إلى إعادة إنتاج الماضي، بل يحتاج إلى قطيعة تاريخية مع أسباب الفشل، وإلى عقد اجتماعي جديد يضمن مشاركة جميع السودانيين دون تمييز، ويضع حداً لدورات الحرب والانقلابات والاستبداد، ويؤسس لدولة مدنية ديمقراطية عادلة تستوعب التنوع السوداني بكل مكوناته.
وعليه، فإن أي عملية سياسية جادة يجب أن تبدأ من سؤال جوهري: كيف نؤسس دولة سودانية جديدة تمنع تكرار الحرب، بدلاً من أن نسأل فقط: من يحكم السودان؟
فالقضية ليست استبدال سلطة بسلطة، ولا استبدال نخبة بنخبة، وإنما إعادة تأسيس الدولة السودانية نفسها.
إن الشعوب السودانية التي دفعت ثمن الحرب لن تقبل سلاماً يعيد إنتاج الحرب، ولن تقبل تسوية تؤجل الأزمة، ولن تقبل عودة عقارب الساعة إلى الوراء. وسيظل مشروع التغيير الجذري قائماً حتى تتحقق غايته الأساسية: بناء دولة المواطنة والحرية والعدالة والمساواة، دولة لا قداسة فيها لمؤسسة، ولا حصانة فيها لفئة، ولا تفوق فيها لمواطن على آخر إلا بما يقدمه من خدمة لوطنه وشعبه.
لا مؤسسات مقدسة… لا حلول سطحية… لا إعادة لإنتاج الأزمة.
التغيير الجذري ليس خياراً مؤجلاً، بل هو الطريق إلى سودان جديد.
