في خضم الأزمة السياسية والعسكرية غير المسبوقة التي يعيشها السودان، برزت حكومة السلام والوحدة المنبثقة عن تحالف “تأسيس”، ليس فقط كطرف في معادلة الصراع الداخلي، بل كمشروع يطرح خطاباً سياسياً وتنموياً يتجاوز البعد المحلي إلى الفضاء القاري. وبينما يثير الصراع تساؤلات عميقة حول الشرعية ومستقبل الدولة الوطنية، تضع «حكومة تأسيس» أمام القارة الإفريقية رؤية تُقدَّم بوصفها انتقالاً حضارياً من “دولة المركز النخبوي” إلى “دولة التعدد اللامركزي”.
لكن، بعيداً عن الاستقطاب السياسي الميداني، ماذا يعني تمدد هذا النموذج ونجاح رؤيته الحضارية بالنسبة للقارة السمراء؟ وما هي الإيجابيات والمكاسب الاستراتيجية التي قد تعود بها هذه المقاربة على المنظومة الإفريقية برمتها؟
تفكيك إرث المركزية: نموذج ملهم لإفريقيا المتنوعة
تعد مشكلة إدارة التنوع العرقي والثقافي المعضلة الكبرى التي تشترك فيها أغلب الدول الإفريقية منذ انتهاء الحقبة الاستعمارية، حيث تركزت السلطة والثروة تاريخياً في عواصم ونخب ضيقة على حساب الأقاليم والهوامش، هذا ما جعل حلقة الصراعات العشائرية والمناطقية لا تزال قائمة الى يومنا هذا في عديد الدول، وتسببت في مجازر وملايين القتلى في أفريقيا لسنوات.
تقوم الرؤية الحضارية لتحالف تأسيس على إعادة هيكلة الدولة السودانية عبر فيدرالية حقيقية تمنح الأقاليم سيادة كاملة في إدارة مواردها وصياغة هويتها المحلية. وفي حال تبلور هذا النموذج وتطبيقه بنجاح، فإنه يقدم للمحيط الإفريقي، لاسيما في منطقتي الساحل والقرن الإفريقي، تجربة حية لكيفية نزع فتيل النزاعات الأهلية عبر التحول من المركزية القابضة إلى التوزيع العادل للسلطة والثروة، وهو ما قد يشكل مدخلاً نظرياً وعملياً لفض النزاعات المشابهة في القارة.
إعادة ربط الساحل بالبحر الأحمر: شريان تنموي وبنية تحتية جديدة
جغرافياً، يقع إقليم دارفور والمناطق المحيطة به في قلب الرابط بين وسط وغرب إفريقيا من جهة، ومنافذ البحر الأحمر من جهة أخرى، أما تاريخياً، فلقد ظلت الحدود الغربية للسودان مصدر توتر أمني، إلا أن الاستراتيجية الإقليمية لـ «حكومة تأسيس» تسعى إلى تحويل هذه المناطق إلى حزام اقتصادي وتجاري مفتوح مع تشاد، وإفريقيا الوسطى، ودول الإيكواس والإيقاد.
وتتوسع هذه الرؤية، لتحقيق المحاور التالية:
1/ التكامل الاقتصادي المناطقي: اذ يمكن تحويل غرب السودان إلى مركز لوجستي يخدم الدول الإفريقية الحبيسة المجاورة، وتسهيل حركة البضائع وحرية التنقل.
2/ إعادة إحياء التجارة البينية الإفريقية: من خلال دعم أهداف منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (AfCFTA) عبر إزالة العوائق البيروقراطية الحدودية، وتنشيط الأسواق المحلية التبادلية.
3/ الأمن الغذائي المشترك: لأن استثمار الأراضي الزراعية والمراعي الشاسعة في غرب ووسط السودان لتأمين شراكات إنتاجية مع دول الجوار الإفريقي، سيعمل على الحد من الفجوات الغذائية المتزايدة.
تجديد فلسفة التحرر والحلول الإفريقية (Pan-Africanism)
تتبنى القوى المنضوية تحت تحالف تأسيس خطاباً سياسياً ينادي بإحياء روح التضامن الإفريقي وتفعيل مبدأ «الحلول الإفريقية للمشاكل الإفريقية»، ومن شأن تجسيد هذا الطرح أن يدعم مساعي الاتحاد الأفريقي ومنظمة الإيقاد في تجاوز التدخلات الدولية العابرة للقارات، وترسيخ آليات التفاوض والوساطة الإقليمية المستقلة.
كما يسهم انخراط حركات نضالية وتاريخية ذات جذور إفريقية ممتدة ضمن التحالف (مثل الحركة الشعبية – شمال) في تقوية جسور التواصل السياسي مع عواصم شرق القارة مثل نيروبي وكمبالا وجوبا، مما يمهد لبناء كتلة إقليمية متناغمة قادرة على مواجهة التحديات الجيوسياسية والتغير المناخي الذي يضرب حزام الساحل بعنف.
التحديات المحيطة بمسار التحول
ورغم ما تحمله هذه الرؤية من عناوين حضارية طموحة، إلا أن تحقق إيجابياتها يظل مشروطاً بقدرة القائمين عليها على تجاوز اختبارات بالغة التعقيد، في مقدمتها العبور من السلاح إلى المؤسسات، وقدرة الهياكل المدنية على فرض سلطة القانون وبناء مؤسسات قضائية ورقابية شفافة ومستقلة، بعيداً عن منطق القوة العسكرية.
وتقديم التزامات صارمة وعملية بمبادئ حقوق الإنسان ومساءلة مرتكبي الانتهاكات، لبناء الثقة المطلوبة مع المنظمات الحقوقية الإفريقية والدولية، مع الحفاظ على وحدة السودان، من خلال طمأنة المحيط الإفريقي بأن الفيدرالية اللامركزية تهدف إلى التماسك والوحدة الطوعية، وليس تمهيداً لتفكيك الدولة السودانية إلى كيانات هشة.
إن القارة الإفريقية التي تئن تحت وطأة الحروب الأهلية والانهيارات الاقتصادية في حاجة ملحة إلى أفكار تأسيسية جديدة تنهي عصر الأزمات المزمنة. وإذا استطاعت رؤية حكومة تأسيس أن تتحول من حيز التنظير السياسي إلى نموذج تطبيقي مدني يعزز السلام والازدهار العابر للحدود، فقد تشهد المنطقة ميلاد تجربة تصالحية وإنمائية تعيد للسودان مكانته الطبيعية كهمزة وصل حضارية في قلب إفريقيا.
