بين شجاعة التأسيس وجدلية الحياد: قراءة تفكيكية لـ “منصات نيروبي” ومستقبل السودان
​بقلم: عماد أبكر جدو .
​تعيش الساحة السياسية السودانية واحدة من أعقد منعطفاتها التاريخية؛ فبينما تطحن الحرب ما تبقى من مقدرات البلاد، تحولت العاصمة الكينية “نيروبي” إلى حراك سياسي وفكري متقدم، شهد ولادة رؤيتين تسعيان للإجابة على السؤال المصيري: كيف يُبنى وطن جديد على أنقاض سبعة عقود من الفشل التأسيسي؟
​بين أيدينا قراءة مقارنة بين مشروعين ولدا في الدولة الكينية ذاتها: “إعلان المبادئ وخارطة طريق القوى المدنية وحركة عبد الواحد نور وحزب البعث” من جهة، وميثاق “تحالف السودان التأسيسي (تأسيس)” من جهة ثانية. وهي مقارنة تتجاوز السطح السياسي لتبحث في عمق الشجاعة الطرحية في مواجهة العناد التاريخي للمركز المهيمن.
​جذور الأزمة: العناد السياسي وهيمنة النخب المركزية
​لا يمكن فهم الحراك الحالي في نيروبي دون العودة إلى جذور المعضلة السودانية. منذ خروج المستعمر قبل نحو سبعين عاماً، مارست النخب السياسية المركزية نوعاً من “العناد السياسي” والتعامي عن حقيقة التنوع السوداني الفريد. هذا الإقصاء الممنهج أنتج أزمات مستدامة، كان ثمنها الباهظ فقدان السودان لضلع أصيل من ضلوعه بانفصال جنوب السودان.
​اليوم، يتكرر المشهد ذاته؛ حيث تصر بعض المكونات على ذات النهج القديم، في حين يمتلك “تحالف تأسيس” الشجاعة السياسية الكاملة لكسر هذه الدائرة المغلقة، وطرح حلول جذرية تخاطب مشاكل الشعوب السودانية التي أُهملت لعقود.
​طبيعة التحالفات: واقعية المسؤولية مقابل النقاء المدني المعزول
​تكمن أولى الفروق الجوهرية في كيفية تعامل كل مشروع مع القوى الفاعلة على الأرض.
​خارطة طريق القوى المدنية (صمود وحلفاؤها): اختارت التمسك بكتلة مدنية تاريخية ملتحمة بحركة كفاح مسلح (حركة عبد الواحد نور). ورغم نبل هذا الطرح ومحافظته على “نقاء مدني”، إلا أنه يتبنى مسافة تفصله عن القوى المباشرة المؤثرة في مسار الحرب والسلم على الأرض، مما يجعله أقرب إلى الطموحات النظرية.
​ميثاق “تحالف السودان التأسيسي. تحلى بشجاعة سياسية استثنائية عبر النزول إلى أرض الواقع وتحمل المسؤولية الوطنية. لم يهرب التحالف من تعقيدات المشهد، بل أوجد صيغة تحالفية عريضة جمعت قوى ميدانية فاعلة (قوات الدعم السريع، والحركة الشعبية – شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، وفصائل تاريخية كفصيل سليمان صندل وقوي سياسية حزب الأمةالقومي والحزب الاتحادي والحزب القومي السوداني والجبهةالثورية بقيادة الهادي ادريس والطاهرحجر وتيار الوسط للتغير …الخ ..ومجتمع مدني واجسام مطلبية وادارات اهلية وشخصيات وطنية ). هذا المزيج يمثل مواجهة شجاعة لـ “الأمر الواقع” لإنتاج حلول حقيقية لا تنتظر إذن المركز.
​”حكومة السلام”: سد الفراغ الإنساني وإسقاط المقارنة الظالمة.
​ثمة خلط تحليلي يقع فيه الكثيرون عند مقارنة “سلطة بورتسودان” بحكومة “تحالف تأسيس” الوليدة. إن هذه المقارنة مفقودة من أساسها؛ فسلطة بورتسودان تمثل امتداداً لعقلية المركز القديمة وقوى دعم الحرب، بينما حكومة تحالف تأسيس هي “حكومة سلام وتأسيس” إجرائية.
​إن إعلان “تأسيس” عن مجلس رئاسي وإدارة للأقاليم ليس خطوة نحو التقسيم، بل هو خطوة مسؤولة لسد الفراغ الإداري والإنساني في المناطق التي تخلت عنها سلطة المركز. إنها سلطة مؤقتة لـ “ما قبل الانتقال” تهدف لحماية المواطنين، وتوفير الإغاثة، وإدارة التنمية الإقليمية عبر فيدرالية حقيقية (8 أقاليم) تضمن التوزيع العادل للثروة والسلطة.
​المقاربة في قراءة الرؤى والمشتركات العميقة
​رغم التباين في الأدوات والآليات، يلتقي المشروعان في تشخيص الأزمة وهيكلة معالم الدولة المستقبلية، لكن بمسارات تنفيذية مختلفة تظهر ملامحها في قراءة كلا الرؤيتين:
​ رؤية خارطة طريق القوى المدنية وحركة عبد الواحد نور.
​تنطلق هذه الرؤية من مبدأ الحل السياسي الشامل والمؤجل؛ فهي ترى أن بناء الدولة المدنية الديمقراطية القائمة على المواطنة وسيادة القانون، وإعادة هيكلة المنظومة العسكرية لتصبح جيشاً واحداً مهنياً خاضعاً للمدنيين، وعزل المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية، كلها أهداف حتمية يجب أن تمر أولاً عبر بوابة الدبلوماسية الدولية والإقليمية. تعتمد الخارطة على مسار يبدأ بالهدنة الإنسانية ثم وقف دائم لإطلاق النار، تمهيداً لعملية سياسية شاملة لا تستبق الحلول الإدارية أو الدستورية على الأرض قبل أن تصمت البنادق تماماً، متمسكةً بـ “الحياد المدني” الصارم تجاه أطراف النزاع.
​رؤية ميثاق تحالف السودان التأسيسي
​في المقابل، يتبنى تحالف “تأسيس” رؤية إجرائية شجاعة وحاسمة تتجاوز الطرح النظري لمواجهة الكارثة الإنسانية فوراً. فرغم توافقه مع الخارطة على حتمية الدولة الديمقراطية اللامركزية وبناء جيش وطني موحد ومحترف وتصفية تعدد الجيوش، وعزل حلفاء النظام البائد، إلا أنه يرفض رهن حياة الشعوب السودانية بموافقة المركز في بورتسودان. ومن هنا جاءت شجاعته في إقرار تقسيم فيدرالي صريح للسودان إلى 8 أقاليم لضمان التوزيع الفوري للثروة والسلطة، وإنشاء “حكومة السلام والوحدة” كالسلطة الإدارية لـ “ما قبل الانتقال” لإدارة المناطق الخارجة عن سيطرة الجيش كضرورة إنسانية وتنموية ملحة لا تحتمل التأجيل.
​إن التنافس بين “خارطة طريق القوى المدنية” وميثاق “تحالف تأسيس” لا ينبغي أن يفسَّر على أنه صراع صفري، بل هو تكامل مطلوب بين “أشواق التغيير السلمي” و”شجاعة خطوت التأسيس الواقعي”.
​إن المخرج الوطني الوحيد اليوم يتطلب تخلّي بعض القوى المدنية عن عنادها السياسي وهجومها غير المبرر على تحالف “تأسيس” الذي تجرأ على تحمل المسؤولية في لحظة تاريخية فارقة. والمطلوب الآن هو جلوس كافة هذه القوى الحية على طاولة مقاربة مستديرة، تدمج بين “مشروع خارطة الطريق” و”مشروع تأسيس الوليد”. ومن خلال هذا الانصهار والتجلي الفكري، يمكن للقوى السياسية الوصول إلى برامج حد أدنى تُنهي الحرب، وتكبح هيمنة المركز التاريخي، وتؤسس للدولة السودانية الجديدة على أسس العدالة والمواطنة بلا تمييز.