• ضابط إسلامي تم تجنيده منذ العام 1990 لاختراق الجيش السوداني
• تورط “طارق مدني” في ملف الســ ـلاح الكيميائي يكشف بوضوح تعاون البرهان مع الحركة الإسلاميــ ـة الإرهـــ ـابية وارتكاب جـ ريمة الحـ رب هذه

نشرت صحيفة واشنطن بوست (The Washington Post) تحقيقًا استقصائيًا يستند إلى مجموعة من الوثائق الداخلية والفيديوهات والرسائل النصية والصور، حصلت عليها الصحيفة من مصادر أمنية في الشرق الأوسط قالت إنها تلقتها من داخل السودان.
يوثّق الملف، برنامجًا سريًا لتصنيع ذخائـ ر كيميائيــ ــة، ومواقع لتجميع الرؤوس الحـ.ربية داخل منشآت عسكـ رية، وتجارب في مناطق صحراوية نائية، وتحويل جزء من إمدادات الكلـ ور المخصصة لتعقيم مياه الشرب إلى استخدام عسكـ ري محرم دولياً.
عنصر الحركة الإسلاميـ ــة الإرهــ ـابية داخل الجيش
لتوضيح الصورة من أجل معرفة المسئولين الرئيسيين عن هذا الملف تخطيطا وتنفيذا، تشير المعلومات الموثقة إلى العميد طارق حسين محمد مدني، المولود في 15 مايو 1971، والذي ينحدر من قرية القرير، التابعة لمحلية مروي في الولاية الشمالية، وتبعد نحو 20 كيلومتراً عن سد مروي، حيث تقيم أسرته في حي القلعة، وتحديداً في فريق العبيداب.
تم تجنيده ضمن تنظيم الحركة الإسلاميـ ــة وهو لا يزال في المرحلة الثانوية عام 1990، قبل أن يلحقه تنظيم الحركة الإسلاميــ ــة بالكلية الحربية عام 1993 ضمن الدفعة 43، ويتخرج برتبة ملازم عام 1995، لينقل بعدها إلى ســـ ـلاح الأسلحــ ــة والذخائـ ر.
وُصف مدني في تلك المرحلة المبكرة بضابط دون المستوى العادي وبإمكانيات محدودة للغاية جعلته يتخرج من الكلية الحـ ربية في ذيل دفعته.
نقطة تحول
إلا أن نقطة التحول في مسيرته جاءت عام 2002، حين رشحه زميل دفعته الطاهر الفكي الطاهر البديري وهو ضابط وعنصر إسلامي داخل القوات المسلحــ ـة، والعامل برئاسة التصنيع الحـ ربي، للانتقال إلى هيئة التصنيع الحـ ربي (لاحقًا: منظومة الصناعات الدفاعية)، وهو برتبة نقيب. بدأ عمله هناك كضابط إداري يحمل خبرة محدودة في مجال الذخائـ ر اكتسبها خلال عمله السابق في ســ ـلاح الأسلحـ ــة والذخائـ ر، ثم نقل لاحقا للعمل في جهاز تطوير أنظمة الأمن والدفاع تحت قيادة الفريق عمر زين العابدين، الذي يعد أهم العناصر الإسلاميـ ــة التي أشرفت على تجنيد الضباط الإسلامييـ ـن في الجيش السوداني منذ العام 1989.
البرنامج الكيميائــ ــي
إلا أن هذه البداية المتواضعة تحمل مفارقة صارخة أمام الدور الذي بلغه طارق مدني لاحقًا، حيث تحوّل، بحسب المصادر الأمنية التي زوّدت واشنطن بوست بوثائق التحقيق، إلى المنسق الرئيسي لبرنامج الأسلحــ ـة الكيميائيــ ـة السوداني، وإلى المدير العام لشركة الهدف للأنشطة المتعددة المحدودة (Target Multi-Activities Company Ltd – TMAC)، الخاضعة لسيطرة منظومة الصناعات الدفاعية (Defense Industries System – DIS)، وهي المؤسسة المسؤولة عن الصناعات العسكـ رية في السودان بصورة حصرية وتضم شركة الهدف للأنشطة ضمن أذرعها عبر مجموعة جياد (Giad)، وهي تكتل صناعي عسكـ ري-مدني تابع لذات المنظومة، وذلك وفقا لما كشفته وزارة الخزانة الأمريكية (U.S. Department of the Treasury) عند فرض العقوبات على مدني وشركته في يونيو 2026، عملت شركة الهدف للأنشطة المتعددة كقناة استيراد للمتفجـ رات والمواد المرتبطة بها من شركات في مصر والهند، أبرزها شركة SBL Energy Limited الهندية، التي زوّدتها بأكثر من 200 شحنة متفجـ رات منذ عام 2024 استُخدم بعضها لاحقًا في قنابـ ـل نشرتها القوات المسلحــ ـة السودانية.
تورط في استيراد الكلــ ـور
يظهر اسم ” طارق مدني” مراراً في مواد الملف، التي تتضمن صور لتجميع القنـ ـابل، مناقشات مواصفات الرؤوس الحـ ربية الكيميائيـ ــة، ورسائل ومقاطع صوتية تناقش إنتاج مئات قنابـ ــل الكلـ ــور وتخزينها في قاعدة مروي، إضافة إلى مراسلات حول البرنامج مع مسؤولين سودانيين من بينهم قائد الجيـ ش عبد الفتاح البرهان.
وفقاً للواشنطن بوست، عندما اتصلت الصحيفة بالرقم المرتبط بهذه الرسائل، أجاب شخص أقر أن اسمه طارق، لكنه نفى أي علم أو مشاركة في إنتاج أسلحـ ــة كيميائيـ ــة، وقال إن الأمر شأن عسكـ ري لا صلة له به.
كذلك تكشف الوثائق أيضًا عن وثيقة مؤرخة في يوليو 2025 تحمل توقيع قائد الجـ يش عبد الفتاح البرهان نفسه بشأن تشكيل لجنة سودانية للتحقيق في اتهامات استخدام أسلحــ ـة كيميائيــ ـة، تطلب هذه الوثيقة إدخال مدني نفسه ضمن أعضاء اللجنة “بسبب خبرته”.
مما لا شك فيه أن إدخال الشخص المتهم بإدارة البرنامج ضمن لجنة التحقيق في هذا البرنامج تحديدًا يضع استقلالية اللجنة موضع شك جدي.
إن مسار “طارق مدني”، من ضابط بمهام إدارية، محدود الخبرة إلى شخصية تتوسط مراسلات مع قائد الجيش حول ذخائـ ر كيميائيـ ــة، وتُدرَج على قوائم العقوبات الأمريكية، وتُعيَّن لاحقًا ضمن لجنة التحقيق في الاتهامات الموجهة إليها هو نفسه، يطرح سؤالًا عن طبيعة الرعاية التي أتاحت لضابط بهذا المستوى المتواضع أن يتولى ملفًا بهذه الخطورة داخل مؤسسة الجيش السوداني، وعن تنظيم الحركة الإسلاميــ ـة الذي ينتمي له وتورطه في هذه الجـ ريمة الدولية.