د. أسامة أحمد المصطفى

تساؤل يفرض نفسه بقوة ، ماذا تغيّر في الخرطوم حتى يصبح ما كان مرفوضاً بالأمس مقبولاً اليوم؟ ففي الخامس والعشرين من أكتوبر 2021، لم يكن المشهد في الخرطوم بحاجة إلى كثير من التأويل، دبابات الجيش نزلت إلى الشوارع، وأُطيحت بالحكومة المدنية الانتقالية، وقُطع الطريق أمام استكمال مسار كان يفترض أن يقود السودان إلى رحاب الانتقال الديمقراطي والاستحقاقات الدستورية والانتخابية، يومها لم يتردد الاتحاد الأفريقي في تسمية الأشياء بأسمائها، أدان الاستيلاء العسكري على السلطة، واعتبره انقلاباً على النظام الدستوري، ثم جمّد مشاركة السودان في أنشطة الاتحاد إلى حين استعادة النظام الدستوري.

كان الموقف، في ظاهره وجوهره، منسجماً مع قاعدة أفريقية ظلت المنظمة القارية ترفعها في مواجهة الانقلابات، لا شرعية لتغيير السلطة بالقوة، ولا مكافأة لمن يهدم المسار الدستوري، ولا يمكن للأمر الواقع أن يصبح بديلاً عن الشرعية، ثم جاءت حرب أبريل 2023، فتمزقت البلاد، وتبدلت خرائط النفوذ، وانحسرت مؤسسات الدولة أمام اتساع رقعة القتال، وتحول السودان من أزمة انتقال سياسي إلى مأساة مفتوحة، ومع طول أمد الحرب، بدأت اللغة السياسية تتغير شيئاً فشيئاً، وبدأت الواقعية تزاحم المبادئ في كثير من ممرات الأزمة السودانية.

وفي الحادي والثلاثين من أغسطس 2026، رحبت مفوضية الاتحاد الأفريقي بمبادرة للحوار السوداني السوداني، معتبرة أنها يمكن أن تسهم في توحيد الصف، واستعادة مؤسسات الدولة، والوصول إلى دولة ديمقراطية.

وهنا تبدأ المفارقة التي تستحق التوقف، لا لأن الحوار أمر مرفوض، بل لأن السودان يحتاج إلى الحوار أكثر من أي وقت مضى،المشكلة ليست في مبدأ الحوار، وإنما في من يصنع طاولته، ومن يحدد أطرافه، ومن يملك مفاتيحه، وتحت أي شروط يجري.

فالتعامل مع سلطة تملك أدوات القوة والسيطرة على الأرض قد يكون ضرورة تفاوضية في لحظة حرب، لكن التعامل مع الأمر الواقع شيء، ومنحه شرعية سياسية شيء آخر، وبين الأمرين مسافة ينبغي لمؤسسة قارية أن تكون شديدة الحذر في عبورها، ولهذا يبرز السؤال الذي لا يستطيع الاتحاد الأفريقي تجاوزه بسهولة، ما الذي تغيّر؟

ما الذي تغيّر بين اتحاد أفريقي جمّد عضوية السودان بسبب انقلاب 2021، واتحاد أفريقي يرحب في 2026 بمبادرة حوار تنطلق من نفس  الواقع السياسي والعسكري الذي يهيمن على السلطة التي أفرزها ذلك الانقلاب؟ أين هو التحول الدستوري الذي كان شرطاً لاستعادة السودان مكانته الطبيعية داخل المنظمة؟ وهل انتهت أسباب التجميد، أم أن طول الحرب جعل الذاكرة السياسية لدى مفوضية الإتحاد الأفريقي إندثرت؟

قد تكون لدى الاتحاد الأفريقي حسابات يمكن فهمها، ربما يريد استعادة زمام المبادرة بعدما تكاثرت المبادرات وتداخلت الوساطات الإقليمية والدولية في الملف السوداني، وربما أدرك أن تجاهل السلطة المسيطرة على الأرض يجعل أي وساطة بلا  مبررات بينما الطرف الفموازي قبل بكل المبادرات مع ذك لم يضمن في قائمة مبادرة الحوار . وربما يخشى أن يقود استمرار الحرب إلى تفكك السودان وانهياره ، كل هذه اعتبارات سياسية مشروعة للنقاش، لكنها لا تجيب عن السؤال الأكثر حساسية،هل أصبحت الواقعية السياسية بديلاً عن المبدأ؟

فالاتحاد الأفريقي لا يملك ترف أن يكون وسيطاً محايداً بين الشرعية والانقلاب في الوقت نفسه، فإذا كان قد علّق عضوية السودان لأن تغيير السلطة بالقوة يمثل خرقاً للنظام الدستوري، فإن عليه أن يوضح كيف يمكن اليوم بناء مسار سياسي فوق نتائج ذلك الواقع من دون أن يتحول الحوار، من حيث لا يريد، إلى آلية لإعادة إنتاجه.

والأكثر حساسية أن كلمة «الشمول» قد تبدو براقة، لكنها تصبح خطرة إذا تحولت إلى مظلة لإعادة تدوير القوى المرتبطة بمنظومة الحكم السابقة، أو إلى منفذ يعيد شبكات سياسية قديمة إلى قلب المشهد تحت عناوين جديدة. والمقصود هنا وضع تيارات الإسلام السياسي والحركات الإرهابية في خانة واحدة، والتحذير من أن تتحول المصالحة إلى إعادة إنتاج للبنية السياسية التي ثار عليها السودانيون، أو أن يصبح «الشمول» ستاراً لعودة الماضي من نافذة الحرب.

فالسلام الحقيقي ليس حفلاً لجمع المتخاصمين حول طاولة، وإنما إعادة تأسيس للقواعد التي تمنع تكرار المأساة ، ومن هنا فإن السؤال الذي يضع الاتحاد الأفريقي في أضيق زواياه ليس، لماذا تريدون الحوار؟بل لماذا الآن؟ ولماذا بهذه الصيغة؟ ومن اختار أطرافه؟ ومن يضمن استقلال آلياته؟ وأين يقف الانقلاب الذي جمّد الاتحاد الأفريقي عضوية السودان بسببه؟

ثم يأتي السؤال الأكثر قسوة،هل تغيّر السودان، أم تغيّر موقف الاتحاد الأفريقي؟ فالسودان لا يحتاج إلى حوار ينتهي بإدارة نتائج الحرب، وإنما إلى حوار ينهي أسبابها، ولا يحتاج إلى شرعية تُستخرج من فوهة البندقية، بل إلى مسار يعيد السياسة إلى مكانها الطبيعي، فوق السلاح، وفوق الأمر الواقع، وتحت سقف الدستور.

ولذلك فإن اختبار الاتحاد الأفريقي الحقيقي ليس في قدرته على الدعوة إلى الحوار، وإنما في قدرته على الحفاظ على اتساقه الأخلاقي والسياسي عندما تصبح المبادئ أكثر كلفة من الواقعية.وفي النهاية، سيبقى السؤال معلقاً فوق طاولة الحوار، هل جاء الاتحاد الأفريقي لإنهاء آثار الانقلاب والحرب، أم للتكيف معهما؟

فبين إنهاء الأمر الواقع والتعايش معه مسافة لا تحددها البيانات، وإنما تصنعها المبادئ. وإذا كان الاتحاد الأفريقي قد قال في 2021 إن الانقلاب لا يُمنح شرعية، فعليه اليوم أن يشرح للقارة كلها، ماذا تغيّر حتى يصبح التعامل مع مخرجاته ممكناً؟